هل يقوّض الذكاء الاصطناعي الدين؟

AI, Machine learning, Hands of robot and human touching on big data network connection background, Science and artificial intelligence technology, innovation and futuristic.

لقد تطور الذكاء الاصطناعي بوتيرة سريعة في خلال السنوات القليلة الماضية؛ وأصبح بين يدينا حواسيب، وهواتف محمولة، وغيرها من الأجهزة التي تمتلك اليوم قدرات وذكاءات تجعل الإنسان يبدو بدائياً. ونتيجة لسرعة نطاق تقدّم هذه التقنية، يتوقّع كثيرون إمكانية امتلاك الذكاء الاصطناعي للوعي، في محاولة للتلميح بتقويض ذلك للروايات الدينية. إذا كان بإمكان الذكاء الاصطناعي أن يصبح واعيا، فهذا يعني وجود تفسير مادي لما يجعلنا بشرا.۱ لا نملك الكثير من المعطيات عن مفهوم الروح في الإسلام؛ ولكن ما يمكننا تأكيده هو كونها من “الغيبيات”، المتأتية من حقيقة سامية. من هذا المنظور، إذا كانت الروح الشيء غير المادي الذي يحيي الجسد، يمكن استبدالها اليوم بتفسير مادي فيزيائي، فهذا يعني تقويض الدين.٢ 

قد يجادل الماديون بشأن إمكانية تفسير الوعي والقدرة على اختبار حالات وعي ذاتية (يُشار إليها أيضا بالحالات الإدراكية) من خلال الذكاء الاصطناعي – بحيث يصبح الوعي موازيا لبرنامج حاسوب. غير أنه ثمة فارقا بين الذكاء الاصطناعي الضعيف والذكاء الاصطناعي القوي. يتجسد الذكاء الاصطناعي الضعيف بقدرة نظام الحاسوب على إظهار الذكاء. يشمل ذلك حلّ معادلات رياضية معقّدة، أو هزيمة عدة خصوم في لعبة شطرنج بأقل من ساعة. يشير الذكاء الاصطناعي القوي إلى أنظمة حاسوب واعية بالفعل؛ أي بعبارة أخرى، إلى حواسيب قادرة على اختبار حالات وعي ذاتية – تتضمن على سبيل المثال إعطاء معنى للأمور. الذكاء الاصطناعي الضعيف ممكن وقائم بالفعل؛ أما الذكاء الاصطناعي القوي فمستحيل. وسنبيّن في السطور القادمة الأسباب الآيلة إلى ذلك. 

يتمثل السبب الأول، الذي يعد نقطة عامة إلى حد ما، في عدم كون الحاسوب نظاما مستقلا ذا قدرة على الإدراك. إن وصف شيء بأنه واعي يشير إلى كونه مصدرا مستقلا للتفكير الواعي. غير أن الحاسوب (وأنظمة الحاسوب) مصممة، ومطوّرة، ومصنّعة، من قبل بشر يتسّمون بالوعي المستقل. لذا، يعتبر الحاسوب مجرد امتداد لقدرتنا في أن نكون أذكياء. يشرح وليام هاسكر William Hasker هذه الفكرة بقوله: 

“يعمل الحاسوب بالطريقة التي يعمل بها نتيجة صنعه من قبل بشر يملكون الرؤية العقلية. وبعبارة أخرى، يعتبر الحاسوب مجرد امتداد لوعي مصمميه ومستخدميه؛ فهو ليس مصدرا مستقلا للتفكير العقلاني، كما أن التلفاز ليس مصدرا مستقلا للأخبار والتسلية.”٣

أما السبب الثاني فهو أن البشر ليسوا أذكياء وحسب – وإنما إدراكهم متمتع بالقصدية أيضا. وهذا يعني بأن إدراكنا عن الشيء أو للشيء مرتبط بالدلالة.٤ بالمقابل، لا تتصف أنظمة الحاسوب بمعرفتها للمعنى؛ فجل ما يقوم به الحاسوب هو معالجة الرموز. بالنسبة للنظام، إدراك الرموز لا علاقة لها بالشيء – فكل ما يستطيع الحاسوب “رؤيته” هو الرموز التي يقوم بمعالجتها، بغض النظر عن المعنى الذي تحمله هذه الرموز برأينا. تقوم برامج الحاسوب على قواعد التركيب (معالجة الرموز)، وليس الدلالة (المعنى). 

لتمييز الفارق بين الدلالة والتركيب، لنحلل معا العبارات الآتية: 

 

·      أحب عائلتي.

· Αγαπώ την οικογένειά μου 

·      আমি আমার পরিবারকে ভালবাসি

 

تفيد العبارات الثلاث السابقة المعنى نفسه: أحب عائلتي؛ وهذا ما يشار إليه بعلم الدلالة. إلا أن التركيب هنا مختلف، بمعنى أن الرموز المستخدمة مختلفة. تستخدم العبارة الأولى ʾالرموزʿ العربية، أما العبارة الثانية فتستخدم اليونانية، أما الثالثة فالبنغالية. وبناءً عليه، يمكن صياغة الحجة الآتية:

۱. أنظمة الحاسوب تركيبية (قائمة على التركيب)؛

٢. العقول تملك الدلالة؛

٣. التركيب وحده ليس كافيا وليس مكونا للمعنى؛ 

٤. لذا، لا تعتبر أنظمة الحاسوب عقولا بذاتها.٥

لنتخيل على سبيل المثال نجاح انهيار صخري بطريقة ما في ترتيب صخور الجبل بعبارة ʾأحب عائلتيʿ. إن ادعاء معرفة الجبل لمعنى هذه الرموز هو ادعاء واه. ويدل على أن مجرد معالجة الرموز (التركيب) لا يؤدي إلى توليد معنى (الدلالة). 

يقوم برنامج الحاسوب على معالجة الرموز، وليس على المعنى. وبالتوازي، لا أستطيع معرفة معنى العبارة باللغة البنغالية من خلال معالجة الأحرف (الرموز) فقط. وبغض النظر عن عدد المرات التي أعالج فيها الأحرف البنغالية، لن أستطيع فهم معنى الكلمات. لذلك تحتاج الدلالة إلى أكثر من التركيب الصحيح. تعمل أنظمة الحاسوب على التركيب وليس على الدلالة؛ فهي لا تدرك معنى شيء. 

تعتبر تجربة الغرفة الصينية للعالم جون سيرل John Searle فعّالة في إظهار أن مجرد معالجة الرموز لا يؤدي إلى فهم معناها: 

“تخيّل أنك محبوس في غرفة، وفي هذه الغرفة عدّة سلات مليئة بالرموز الصينية. وتخيل بأنك (مثلي) لا تفهم كلمة صينية واحدة، ولكن بحوزتك كتاب قواعد باللغة العربية لمعالجة الرموز الصينية. تحدد القواعد معالجة الرموز بحسب تركيبها حصرا، وليس معناها. لذا قد تطلب القاعدة منك أخذ خربشة من السلة رقم واحد ووضعها بجانب رمز الخربشة في السلة رقم اثنان. ولنفترض الآن إدخال عدد آخر من الرموز الصينية إلى الغرفة، وإعطاءك قواعد أخرى بإخراج رموز صينية خارج الغرفة. ولنفترض عدم معرفتك بكون الرموز التي أدخلت إلى الغرفة تسمى ʾأسئلةʿ، وأن الرموز التي تخرجها من الغرفة تسمى ʾإجابات على الأسئلةʿ. ولنفترض أيضا بأن المبرمجين بارعون في تصميم البرنامج، وبأنك بارع في معالجة الرموز، بشكل لا يمكن تمييز إجاباتك عن إجابات ناطق سليقي بالصينية. وها أنت ذا تبعثر رموزك الصينية وتخرجها للإجابة على الرموز الصينية القادمة… العبرة الآن من هذه القصة هي أنه: بفضل تطبيق برنامج حاسوب نمطي، فأنت تتصرف، من وجهة نظر مشاهد خارجي، تماما كشخص يتقن الصينية، إلا أنك في الحقيقة لا تفهم حرفا منها.”٦

يحاكي الشخص المتواجد داخل غرفة التجربة الحاسوب؛ حيث يقوم شخص آخر بالتحكم بالرموز بطريقة توهمنا بأن الشخص الذي في الداخل يفهم الصينية. غير أن ذلك الشخص لا يفهم اللغة، ولكنه يحاكي تلك الحالة فقط. يستنتج سيرل بأن: 

“امتلاك الرموز بمفردها – أي امتلاك التركيب فقط – ليس كافيا للحصول على الدلالة. فمجرد معالجة الرموز ليس كافيا لضمان معرفة المعنى الذي تحمله.”٧

قد يرد المعارض لهذا الرأي بقوله أنه على الرغم من جهل نظام الحاسوب بالمعنى، إلا أن النظام بكليته يعرفه. وقد أطلق سيرل على هذا الاعتراض اسم “جواب الأنظمة”٨. ولكن ما الذي يمنع البرنامج من معرفة المعنى؟ الإجابة بسيطة: لأنه لا يملك أي وسيلة لعزو معنى إلى الرموز. وبما أنّ برنامج الحاسوب لا يستطيع عزو معنى إلى الرموز، فكيف يمكن لنظام الحاسوب – الذي يعتمد على البرنامج – فهم المعنى؟ لا يمكن توليد المعرفة بامتلاك البرنامج الصحيح فقط. يعرض سيرل نسخة مطولة من تجربة الغرفة الصينية لإبراز عدم قدرة النظام بكليته على فهم المعنى: “تخيل حفظي لمحتويات السلات وكتاب القواعد، وقيامي بكل الحسابات في رأسي. ويمكننك أن تتخيل أيضا بأني أعمل في خارجها. كل ما يوجد في ʾالنظامʿ موجود بي، وبما أني لا أجيد الصينية، كذا لا يفعل النظام.”۹

يدّعي لورنس كارلتون Lawrence Carlton بطلان حجة سيرل معتبرا بأن حجة الأخير وقعت في المغالطة التي يشار إليها بإنكار المقدَّم. ويؤكد كارلتون على ارتكاب سيرل لهذه المغالطة بسبب “عدم امتلاكنا لأي دليل يقول بوجود طريقة واحدة فقط للوصول إلى القصد”.۱۰ ويتابع قائلا بأن سيرل يفترض امتلاك الدماغ وحده للآليات القادرة على معالجة الرموز وفهمها (القصد)، وعدم امتلاك الحاسوب لها. يعرض كارلون المغالطة بالشكل الآتي:

“إن القول بأن ʾمتوازيات التحليل الدماغي المؤكد هي من تولد القصديةʿ وأن ʾ )أ  (لا يملك هذه المتوازياتʿ، لذا ʾلا يملك )  أ القصديةʿ، هو ارتكاب للمغالطة المنهجية التي تعرف بـʾإنكار المقدَّمʿ.”۱۱

بيد أن دايل جاكيت Dale Jacquette يؤكد على عدم ارتكاب سيرل للمغالطة المنهجية إذا أعطينا حجة سيرل التفسير الآتي: 

“إذا كان ( أ ) قصديا (بذاته)، فهذا يعني بأن ( أ ) يملك متوازيات تحليل دماغي مؤكد.”۱٢

يعتقد جاكيت بإذعان حجة سيرل للمذهب الوظيفي. ويقول بأن الوظيفيين “يعتقدون بعدم وجود شيء مميز بالجبلة الأولى، لذا فإن أي أمر منظم بالشكل المناسب قادر على إنشاء برنامج المدخلات-المخرجات الصحيح يستطيع نسخ قصدية العقل.”۱٣ يبدو بأن سيرل يقرّ بقدرة الآلات على فهم الصينية. غير أنه يصرّح قائلا “أرى أدلة قوية للغاية لأقول بعدم إمكانية منح مثل هذا الأمر لآلة يعتمد تشغيلها بصورة حصرية على عمليات حاسوبية مبنية على عناصر محددة نمطيا…”۱٤

إذا كان الحاسوب عاجزا عن ربط معنى بالرموز، فما هي طبيعة الآلة الواعية التي يشير إليها سيرل؟ ولو سلمنا جدلا بوجود رجل آلي (وهو أمر يرده سيرل)، فلا زال أمام الأخير مشاكل كثيرة لا يمكنه تجاوزها. تقوم الآلات على “عمليات حاسوبية مبنية على عناصر محددة  نمطيا”. يبدو أن فرصة الآلات الوحيدة في امتلاك الفهم (ربط معنى بالرموز) سيتطلب شيئا غير تلك العمليات والعناصر المذكورة أعلاه. هل يوجد مثل هذه الآلة؟ الجواب كلا. هل يمكن أن توجد؟ إذا وجدت بالفعل، فلن توصف على الأرجح بالآلة، في حال كان ما يتطلبه وجودها شيء غير “العمليات الحاسوبية المبنية على عناصر محددة نمطيا”. 

بحسب روكو غينارو Rocco Gennaro، يتفق كثير من الفلاسفة مع سيرل في رأيه بعدم قدرة الرجل الآلي على امتلاك وعي إدراكي.۱٥ ويرى بعض الفلاسفة أن صنع رجل آلي واعي يتطلب وجود خبرة نوعية”[۱٦]، وهو أمر متشائمون بخصوصه. يشرح فلاسفة آخرون هذا التشاؤم بقولهم: 

“أن تشرح الوعي هو أن تشرح كيفية استطاعة تولّد هذا المظهر الداخلي والذاتي للمعلومات في الدماغ، وأن تخلق رجلا آليا واعيا يعني أن تخلق مظهرا داخليا وذاتيا للمعلومات في الرجل الآلي… مهما كان مقدار هذا التطور، فهذا لن يجعل الرجل الآلي واعيا على الأرجح، لأنه لا بد أيضا من وجود المظاهر الداخلية الإدراكية كذلك.”۱٧

لا يستطيع الذكاء الاصطناعي ربط معنى بالرموز، فجل ما يقوم به هو معالجتها بطرق في غاية التعقيد. لذا لن يكون ثمة نسخة قوية من الذكاء الاصطناعي على الإطلاق. وعليه، الدين لم يقوّض. 

 

المراجع

 

۱ المادية هو الرأي القائل بإمكانية حصر الوعي، وشرحه، وموازاته للعمليات المادية بصورة ما. 

٢ في فلسفة العقل، تعد الفيزيائية أو المادية مصطلحان مترادفان، على الرغم من اختلاف تاريخهما ومعناهما عند استخدامهما في مجالات علمية أخرى.

Hasker, Hasker. Metaphysics (Downer’s Grove, IL: InterVarsity, 1983), 49; also see “The Transcendental Refutation of Determinism,” Southern Journal of Philosophy 11 (1973) 175–83. ٣

Searle, John, Intentionality: An Essay in the Philosophy of Mind. (Cambridge: Cambridge University Press, 1983), p. 160.٤ 

Searle, John. (1989). Reply to Jacquette. Philosophy and Phenomenological Research, 49(4), 703. ٥ 

Searle, John. (1984) Minds, Brains and Science. Cambridge, Mass: Harvard University Press, pp. 32–33. ٦ 

Searle, John. (1990) Is the Brain’s Mind a Computer Program? Scientific American 262: 27. ٧

Ibid, 30. ٨

Ibid. ٩

Carleton, Lawrence (1984). Programs, Language Understanding, and Searle. Synthese, 59, 221. ١٠

Ibid. ١١ 

Jacquette, Dale. “Searle’s Intentionality Thesis.” Synthese 80, no. 2 (1989): 267. ١٢ 

Ibid, 268. ١٣

Searle, John. (1980b) Minds, Brains, and Programs. Behavioral and Brain Sciences 3, 422.١٤ 

Gennaro, Rocco. Consciousness. (London: Routledge, 2017), p. 176. ١٥ 

Ibid. ١٦

Ibid.  ١٧