هل تقوّض معضلة يوثيفرو أوامر الله؟

Salesman standing in front of two doors, unable to make the right decision concept with question marks above his head

يسعى كثير من الملحدين إلى تقويض مفهوم ارتباط الأخلاقية الموضوعية بأوامر الله، وذلك من خلال الاستشهاد بمعضلة أفلاطون أو معضلة يوثيفرو التي تناقش السؤال الآتي: هل يعتبر أمر معين حسن لأن الله أمر به، أم هل أمر الله به لأنه حسن بذاته؟

تطرح هذه المعضلة إشكالية لدى من يؤمن بوجود إله قادر ومستقل، لأنها تحتم عليه الاعتقاد بأحد أمرين: إما أن الأخلاق محددة بأوامر الله أو أنها بمعزل عنها. إذا كانت الأخلاق مبنية على أوامر الله، فهذا يعني بأن الخير والشر اعتباطيان. وفي هذه الحالة، لا ينبغي لنا كبشر التسليم بكمون شر موضوعي في أمر معين. يدل ذلك على عدم وجود أي خطأ جوهري لنقل مثلا بقتل الأطفال – لمجرد وسم الله له بالشر بصورة اعتباطية.

يشير الشق الآخر من هذه المعضلة إلى خروج المعيار الأخلاقي عن جوهر الله وطبيعته، واستقلاله عنه بشكل كامل، لدرجة رضوخ الله لهذا المعيار بشكل إجباري. بيد أن هذا الاعتقاد غير مستساغ لدى من يؤمن بوجود إله، إذ سيجبره على الإقرار بعدم قدرة الله أو استقلاله؛ بل الركون إلى معيار خارجي عن ذاته.

تبدو هذه المعضلة للوهلة الأولى حجة صحيحة؛ إلا أن التمعّن بها قليلا يكشف مدى خطئها. ويعود السبب في ذلك إلى وجود احتمال ثالث: ذات الله حسنة. يشرح أستاذ الفلسفة شبير أخطر في كتابه The Qur’an and the Secular Mind (القرآن والفكر العلماني) الأتي:

“ثمة احتمال ثالث: وجود إله متزن أخلاقيا كالذي نجده في النصوص المقدسة، إله عليّ لن يغير رأيه اعتباطيا حول مسألة حسن الرحمة وقبح الزنى. مثل هذا الإله سيأمر بالخير دائما لأن صفته وطبيعته حسنة.”١

ما يريد الأستاذ أخطر قوله هو وجود معيار أخلاقي بلا أدنى شك، ولكن على خلاف ما يطرحه الشق الثاني من المعضلة، فإن هذا المعيار ليس خارجا عن إرادة الله؛ وإنما ناتج بالضرورة عن طبيعته. يؤمن المسلمون، ومن يؤمن بوجود إله بشكل عام بأن ذات الله حسنة بالضرورة وبصورة كاملة. يشير الكمال التام لله بأن أسماء الله وصفاته ممكنة لأقصى درجة، من غير نقص أو مثلبة. وعليه، تتضمن طبيعته في جوهرها المعيار الأخلاقي المُحكم وغير الاعتباطي. وهذا يعني بأن أفعال المرء – كقتل الأبرياء على سبيل المثال – ليس فعلا قبيحا بصورة اعتباطية، وإنما تتجذر من معيار أخلاقي موضوعي، وضروري. ومن جهة أخرى، لا يعني ذلك خضوع الله لهذا المعيار بصورة ما لأن هذا المعيار متأصل في جوهره. إنه يحدد طبيعته؛ فهو ليس بأي حال من الأحوال خارجي عن ذاته.٢

تنسجم هذه الإجابة مع وجهة نظر العالم الجليل ابن القيم الذي يرى بأن القيم الأخلاقية ليست مبنية على أوامر الله الاعتباطية:

“فلو كان كونه معروفا ومنكرا وخبيثا وطيبا إنما هو لتعلق الأمر والنهي والحل والتحريم به، لكأن بمنزلة أن يقال: يأمرهم بما يأمرهم به. وينهاهم عما ينهاهم عنه. ويحل لهم ما يحل لهم. ويحرم عليهم ما يحرم عليهم! وأي فائدة في هذا؟ وأي عَلَم يبقى فيه لنبوته؟ وكلام الله يصان عن ذلك، وأن يُظًن به ذلك. وإنما المدح والثناء والعَلَم الدال على نبوته: أن ما يأمر به تشهد العقول الصحيحة حسنهُ وكونه معروفا. وما ينهى عنه تشهد قبحه وكونه منكراً. وما يحله تشهد كونه طيبا. وما يحرمه تشهد كونه خبيثا. وهذه دعوة جميع الرسل صلوات الله وسلامه عليهم. وهي بخلاف دعوة المتغلبين المبطلين والكذابين والسحرة”.٣

بغض النظر عن النقاش الدائر إلى حد الآن، قد تكون إجابة الملحد التلقائية: “عليك أن تعرف ماهية الخير لكي تحدد الخير في ذات الله، لذلك لم تقم بحل المشكلة بعد”.

تتمثل الإجابة على ذلك في كمال الله. في الإسلام، يعتقد بكمال الله التام. ونظرا لكونه كاملا، فإن الخير الأخلاقي التام جزء من طبيعته الأساسية. عند قراءة أسماء الله الحسنى، نجد من بينها اسم البر٤ الذي يعني مصدر الخير كله. تُشتق أوامر الله الأخلاقية من إرادته ٥، وإرادته لا تتعارض مع طبيعته.٦

يكمن جزء من كمال الله في كمال أخلاقياته؛ وكمالها هو معيار الخير. لذا، ما يأمر به الله خير لأن الخير متأصل بذاته سبحانه، ويُحدّد الله مفهوم الخير بقوله عز وجلّ:

{ قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ }۷

تتمثل الإجابة البسيطة على هذا الأمر في أن الله هو من يحدد ماهية الخير. فهو الوحيد المُستحق للعبادة، الأمر الذي يستلزم كونه الأكمل والأسمى خلقاً. يثبت القرآن هذه المسائل في الآيات الآتية:

{ وَإِلَـهُكُمْ إِلَـهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَـنُ الرَّحِيمُ }۸

 { هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ }۹

تجسد أوامر الله أساس القيم الأخلاقية الموضوعية، وهي مبنية على طبيعته الكاملة (الأنطولوجيا الأخلاقية). غير أن ردنا على هذه المعضلة لا ينفي بأي حال من الأحوال قدرة البشر على إثبات بعض القيم الأخلاقية ومعرفة الحقائق الأخلاقية بمعزل عن أوامر الله (المعرفة الأخلاقية). نستطيع امتلاك معرفة أخلاقية من خلال الفطرة التي فطرنا الله عليها والتي تُدرك عن طريق العقل. ١٠  يثبت ابن القيم بفصاحة دور العقل والفطرة قائلا: “وكم يقول لهم في كتابه “أفلا تعقلون”، “لعلكم تعقلون”. فينبههم على ما في عقولهم وفطرهم من الحَسَن والقبيح، ويحتج عليهم بها، ويخبر أنه أعطاهموها لينتفعوا بها، ويميزوا بها بين الحسن والقبيح والحق والباطل”١١

باختصار، لا تقوض معضلة يوثيفرو أوامر الله؛ فالقيم الأخلاقية مشتقة بشكل أساسي من إرادة الله، ومعبَّر عنها عن طريق أوامره، وأوامره لا تتعارض مع طبيعته التي تتسم بالخير والحكمة والنقاء التام. تستنبط فطرتنا القيم الأخلاقية، وتتوصَّل إلى معرفتها من خلال المدارك العقلية.

المراجع

١ Akhtar, S. (2008) The Qur’an and the Secular Mind. Abingdon: Routledge, p.99.

٢ تتبنى هذه الإجابة موقف المذهب الحنبلي من القيم الأخلاقية والأوامر الإلهية. وقد ولّد الفكر الإسلامي إجابات مختلفة؛ من بينها الرأي الأشعري الذي يرى بأن الخير الأخلاقي اعتباطي لكنه مبني على أوامر الله. يشرح فرحات يوني هذا الرأي قائلاً:

“يرى الأشاعرة المتقدمون بأن الخير والشر، والصواب والخطأ لا معنى لهما خارج إطار إرادة الله أو أوامر الله ونواهيه. لذا يُحدَّد كون أمر صائب أو خاطئ أخلاقيا فقط بإرادة الله أو بأوامره ونواهيه. ويبدي هؤلاء العلماء استعدادهم لتقبل مسألة مأخذ الاعتباطية المعروف. [Ferhat Yöney (2019) Islam, the Divine Command Theory, and Religious Fundamentalism, Islam and Christian–Muslim Relations, 30:4, 413-433, DOI: 10.1080/09596410.2019.1696024].

٣ الجوزية، ابن القيم، مدارج السالكين، تحقيق: الفقي، محمد حامد، الطبعة الثالثة، دار الكتاب العربي، ١۹۹٦، ص. ١/٢٥٠.

٤ الطور: ٢۸.

٥ { كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاء } [آل عمران: ٤٠]؛ { إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاء } [الحج: ١۸].

٦ على سبيل المثال: { يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } [آل عمران: ١٢۹]؛ { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ } [النحل: ۹٠].

۷  الأعراف: ٢۸.

۸  البقرة: ١٦٣.

۹  الحشر: ٢٣.

١٠ الفطرة هي الجبلة التي خلق الله البشر عليها.

يُستدل على الأصل الشرعي لمصطلح الفطرة من: ﴿ فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ﴾ [الروم: ٣٠]، والحديث النبوي الصحيح الذي رواه مسلم في صحيحه: ” ما مِن مَولودٍ إلَّا يُولَدُ على الفِطرةِ. فأبواه يُهوِّدانِه ويُنصِّرانِه ويُشرِّكانِه…” (حديث رقم: 2658).

١١ الجوزية، ابن القيم، مدارج السالكين، تحقيق: الفقي، محمد حامد، الطبعة الثالثة، دار الكتاب العربي، ١۹۹٦، ص. ١/٢٥٤.