المجادلات الكلامية المعتمدة على الإساءة: تصوير يوحنا الدمشقي وتوما الأكويني الخاطئ للنبي ﷺ

تتناول هذه المقالة دراسة المجادلات الكلامية المسيحية، التي تعدّ عرفا تاريخيا مارسه اثنان من أكثر الدفاعيين والجداليين المسيحيين تأثيرا ومكانة هما الكاهن والقديس يوحنا الدمشقي من القرن السابع، والكاهن والفيلسوف الإيطالي الدومينيكي توما الأكويني من القرن الثالث عشر. كان التصوير الخاطئ للإسلام والنبي  الميزة الأساسية للمنهج الذي اتبعه كثير من الدفاعيين المسيحيين. وكان الرد النبوي على هؤلاء المسيئين للإسلام التشبث بالتوحيد، والحفاظ على أخلاقهم الحسنة. 

ومع بدء انتشار الإسلام خارج الجزيرة العربية، حاول رجال الكنيسة المسيحيون التعامل مع هذا الدين الجديد بالمجادلات الكلامية السلبية، على الرغم من قلة معرفتهم بالإسلام. يشرح ميتشل كورتس Michel Curtis هذه الحيثية قائلا: 

“استمرت المنافسة، والعداوة في أغلب الأحيان، بين العالم الأوروبي المسيحي والعالم الإسلامي… وبالنسبة لرجال الكنيسة المسيحيين، كان “الآخر” هو الكافر، أي المسلم… وقد دفعت الخلافات العقدية التي استمرت من القرن الثامن وحتى القرن العاشر في كل من بغداد ودمشق، وحتى القرن الرابع عشر في الأندلس، برجال الدين والحكام الأرثوذكس والبيزنطيين إلى استمرار نظرتهم للإسلام كتهديد لهم.”۱

انقسمت نظرة رجال الدين المسيحيين للإسلام بين الهرطقة والوثنية. وادعى بعض الذين وسموا الإسلام بالهرطقة انحرافه عن المسيحية الصحيحة، بمعنى كونه هرطقة مسيحية في المقام الأول. أما اتهام الإسلام بالوثنية فكان عائدا لانضوائه على كل ما يتعارض مع التعاليم المسيحية. تناقض كلا النظرتين بعضهما بعضا بكل تأكيد. فالأولى تعتبر الإسلام ضلالا عن المسيحية؛ أما الثانية، فتنفي تعلُّق الإسلام بالمسيحية من قريب أو من بعيد. واجهت الكنيسة تحديا دينيا جديا مع صعود الإسلام السياسي والاجتماعي إلى السلطة. كما غذى عدد المعتنقين المتنامي للإسلام التخوف الداهم على الكنيسة. وفي إشارة لمدى الإرباك الذي عانت منه الكنيسة نتيجة الصعود المفاجئ للإسلام، استثقل الكاهن والمؤرخ البيزنطي ثيوفانس من القرن التاسع شرح الإسلام كظاهرة. ويخبرنا جون تولان John Tolan بأن ثيوفانس كان “متحيرا من النمو المستمر للإسلام، فالأخير لا يدعّي معرفة ما يدبّره الله.”٢ وكان هذا الإرباك هو نقطة انطلاق المجادلات المسيحية ضد الإسلام.  

تتناول هذه المقالة دراسة المجادلات الكلامية المسيحية التي تعد عرفا تاريخيا مارسه اثنان من أكثر الدفاعيين والجداليين المسيحيين تأثيرا ومكانة هما الكاهن والقديس يوحنا الدمشقي (يوحنا بن منصور بن سرجون) من القرن السابع، والكاهن والفيلسوف الإيطالي الدومينيكي توما الأكويني من القرن الثالث عشر. كان الجدل الميزة الأساسية لسلوك كثير من المسيحيين تجاه الإسلام التاريخي. وعبّر يوحنا الدمشقي عن هذا المنظور الجدلي في كتابه ينبوع المعرفة. 

لا يقتصر التصوير الخاطئ للإسلام ونبيه على العالمين المشار إليهما أعلاه؛ فعلى سبيل المثال، يضم كتاب الراهب الكلوني بطرس الموقر مجادلات كلامية سلبية. كما يتجلى مدى تأزّم الدفاعيين المسيحيين في كلام الراهب إيليوس القرطبي من القرن التاسع الذي كتب يقول بأن: “الكنيسة الأرثوذكسية تئن تحت نير تهديد سافر، وتتلاشى نحو الزوال”.٣ لقد شعرت حركة الشهيد المسيحية التي ظهرت في قرطبة في القرن التاسع بالتهديد من نمو الإسلام. وعبّر العالم واللاهوتي المسيحي الأندلسي ألفارو القرطبي عن الهواجس التي تساوره من الإسلام في رسالة مقتضبة وجهها إلى رئيس الدير سبيرايندوس،٤ وتعكس هواجسه ما وصله عن شعور الرهبان بمدى خطورة الأمر وجديّته. كما تذمّر ألفارو من افتتان الشباب المسيحي بالثقافة، والدين، واللغة العربية، بدلا من الكتابات اللاتينية لعلماء الكتاب المقدس، وآباء الكنيسة. يوضّح ألفارو قائلا: 

“يحب المسيحيون قراءة القصائد والرومانسيات العربية؛ ودراسة كتابات علماء الدين والفلاسفة العرب، ليس للرد عليهم وإنما لاتقان لغة عربية صحيحة ومنمقّة. أين هو العاميّ الذي يقرأ اليوم التفسيرات اللاتينية للنصوص المقدسة، أو الذي يدرس الأناجيل، أو الأنبياء، أو التلاميذ؟ مع الأسف! كل الشباب المسيحي الموهوب ينكب اليوم على قراءة الكتب العربية؛ ويجمع مكتبات ضخمة بمبالغ طائلة؛ ويحتقر الأدب المسيحي باعتباره غير جدير بالاهتمام. لقد نسوا لغتهم. وأصبح مقابل كل شخص يستطيع كتابة رسالة لصديقه باللاتينية، الآلاف ممن يستطيعون التعبير باللغة العربية بفصاحة، وكتابة قصيدة أفضل من العرب أنفسهم.”٥

يتحدث ألفارو عن الزوال التاريخي للتقاليد المسيحية حيث يتسارع المسيحيون لتبني التقاليد الإسلامية. ونعلم بإعراب حركة الشهيد المسيحية في قرطبة عن شعورها بالظلم والاضطهاد على يد المسلمين؛ غير أن كاتي إنهات Kati Inhat تشدد على مبالغة تلك الحركة في وصفها للاضطهاد الإسلامي، مرجعة ذلك لأسباب جدلية. وثمة أسباب قوية تجعلنا نرى الحركة كشكل من أشكال الراديكالية المسيحية.٦ يُظهر لنا الحال في قرطبة مدى استماتة بعض الكهنة المسيحيين في محاولة التصدي لاستقطاب الإسلام لأقرانهم المسيحيين. 

يدين القرآن بعض المعتقدات والممارسات المسيحية من دون أدنى شك؛ ما أدى، بحسب توماس ويناندي Thommas Wienandy، إلى حدوث ردة فعل من جانب المثقفين المسيحيين. قد يبدو هذا التصوير التاريخي لهذه الفترة غريبا بالنسبة للقراء المعاصرين؛ إلا أن الاصطفاف الاجتماعي الذي تناقش فيه رجال الدين، وعبروا فيه عن هواجسهم، دفع باليهود إلى تشكيل جبهة موحدة مع المسلمين، تتشارك في مقت عقيدة التثليث المسيحية. يتصل المسلمون واليهود اتصالا وثيقا نظرا لإيمانهم العميق بعقيدة التوحيد، بخلاف المسيحيين الذين يعدون أضعف صلة بالمسلمين أو باليهود على حد سواء. وفيما يتعلق بوجود اليهودية والإسلام، يكتب ويناندي قائلا: “دعونا نذكّر أنفسنا بأن الإسلام لم يقم سوى بإعادة ترسيخ الأصل اليهودي المتعلّق بوحدانية الله، وهو الأصل الذي شهد اختلافا في باكورة تبلور العقيدة المسيحية. لماذا استغرق الأمر إذا أربعة قرون لتوضيح التعليم الأساسي للمسيحية حول المسيح (تشالسدون، ٤٥۱ م)، وظهور عقيدة التثليث بعدها؟٧ لم يكن التقارب بين المسلمين واليهود على صعيد العقيدة فحسب، وإنما على صعيد المجتمع والتجربة أيضا، حيث عانى اليهود بداية في ظل حكم الملوك القوطيين ريكاريد الأول، وسيسبوت، وشينتهيلا. ثم تقاسموا المصير نفسه مع المسلمين تحت ظل محاكم التفتيش الإسبانية، وقيادتها الكاثوليكية في القرن الخامس عشر. من أجل كل هذه الأسباب، كان اليهود والمسلمون أقرب إلى بعضهما منه إلى المسيحية.

يوحنا الدمشقي 

انبثقت دفاعات يوحنا الدمشقي من نظرته للإسلام كهرطقة مسيحية. كان يوحنا رجل دين مسيحي يخدم في بلاط الخلافة الأموية. وكان جده، منصور بن سرجون مدير المالية في دمشق، عندما دخلها الصحابي والقائد خالد بن الوليد سنة ٦٣٥ م، ليتبوأ بعد ذلك أعلى منصب في الخلافة في زمن معاوية الأول (٦٦۱ – ٦٨۰ م) كخازن لبيت المال، وهو منصب توارثته عائلة منصور جيلا بعد جيل. ويمكن القول بأن يوحنا الدمشقي قد شغل منصبا أكثر رفعة من جدّه، حيث عُيّن كأمين سر الخليفة الخاص. تظهر هذه الحقيقة التاريخية سماحة الأمويين الأوائل مع المسيحيين، وتبرز لنا أن حنق يوحنا الدمشقي على الإسلام لم يكن نتيجة ضيم قاست منه عائلته؛ وإنما كان حقدا عقديا بكل ما تحمله الكلمة من معنى. 

يسلط جانوسيك Janosik الضوء على صعوبة التوصل إلى استنتاجات من المصادر غير الإسلامية المعاصرة ليوحنا الدمشقي؛ والتي قد تشتمل على عظات، وتعاليم دينية، وآداب تنبؤية عن آخر الزمان، ورسائل من رؤساء الكنيسة، وردود جدلية على المذاهب المسيحية والهرطقات العربية. ويعتبر نص صفرونيوس الذي خطّه في عام ٦٣۹ م، ويتحدث فيه عن دخول “السراسنة غير المؤمنين” القدس، وتشييدهم مسجدا واحدا من الأمثلة الجليّة على التحيز الديني في توصيفه.٨ أما المشكلة الأخرى فتتعلق بالتلاعب بالنصوص في مراحل لاحقة من نسخها، وترجمتها إلى لغات أخرى. وبحسب نيفو Nevo، تبرز مثل هذه النصوص خطر انضوائها على إضافات، كرواية “صوم عيد الظهور” لكاتبها صفرونيوس: “لا نملك معلومات عن زمن كتابة المخطوطة أو تاريخ نقلها؛ إلا أنها تشي بفبركة هذه الجزئية برمتها، وإقحامها في عظة صفرونيوس في وقت لاحق؛ فضلا عن إضافة ناسخ متأخر لسؤال صفرينوس الاستنكاري “لماذا يغزو البرابرة بكثرة؟””۹ لذا لا بد من توخي الحذر عند التعامل مع أعمال يوحنا الدمشقي بسبب هذه المشاكل النصوصية. 

لم يتمتع يوحنا الدمشقي بفهم دقيق للإسلام، أو لنبيه ، أو  للقرآن. وعلى الرغم من معرفته لبعض التفاصيل من عدد قليل من السور، إلا أنه اعتمد بالدرجة الأولى على حواراته مع أقرانه من رجال الدين المسيحيين، ومع المسلمين. في الآية الثانية والسبعين من سورة المائدة، يوجّه القرآن الكريم انتقادا لاذعا للمعتقد المسيحي: ﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله هو  المسيح بن مريم﴾. مثل هذه الآية، التي من شأنها أن تثير حفيظة الدفاعيين المسيحيين، لم يفطن يوحنا الدمشقي لوجودها، ولم يعلّق عليها البتة. الأمر الذي يشير إلى عدم معرفته للآية، خاصة وأن محور كتاباته الجدلية كان مرتكزا على دحض الإدانات القرآنية للمعتقد المسيحي.۱۰

ومن بين الأدلة الأخرى التي تؤكد عدم معرفته للقرآن، ناهيك عن أي معرفة مفصلّة للقرآن برمته، هو إشارته للقرآن كعدة كتب منفصلة، وليس كتابا واحدا. ويعرض بشكل مستغرب لسورة اسمها ناقة اللهʿ في القرآن.

يركّز يوحنا الدمشقي على تحليل أربع سور في القرآن، الرابعة منها اسمها الناقة،۱۱ وهي سورة لا وجود لها في القرآن. يحلل يوحنا سورة ʾناقة اللهʿ أكثر من أي سورة أخرى، على الرغم من عدم وجودها أصلا.۱٢ وبحسب يوحنا، يقص القرآن القصة الآتية: كان هناك ناقة شربت كل مياه النهر حتى أصيبت بالسمنة، وعلقت أثناء مرورها بين جبلين. قتلت الناقة لاحقا على يد قوم أشرار، إلا أن نسلها الناقة الصغيرة تمكنت من النجاة. رُفعت هذه الناقة الصغيرة إلى الجنة حيث، بحسب زعم يوحنا، ستشرب كل نهر الخمر حتى تسكر. وعندما تسكر الناقة، ستعجز عن البقاء مستيقظة من شدة أثر المشروب، وستفقد وعيها. تدخل الناقة فيما بعد في روح الحمير وتستحوذ عليهم. ينهي يوحنا تحليله لهذه السورة غير الوارد ذكرها في القرآن الكريم بقوله أنه إذا اتبع المسلمون نبيهم، فسيصبحون حميرا كذلك.۱٣ يعتقد يوحنا بأن هذه السورة هي أهم سورة في القرآن، لذا يقوم بمناقشتها أكثر من أي سورة آخرى. ومن الواضح قيامه باختلاق الأمور لكسب نقاط جدلية رخيصة. 

لا نقول هنا بأن يوحنا لا يفقه شيئا عن الإسلام على الإطلاق. فقد عرف عددا محدودا من قصص النبي  التي كانت متداولة آنذاك.۱٤ وفي الوقت الذي كان  فيه يوحنا دقيقا في اقتباساته، إلا أنه يبقى جليا افتقار ردوده للقوة. يذكر القرآن رفضه القاطع لفكرة كون المسيح تجسيدا لله. يدرك يوحنا وجود هذه الآيات، وفي كتابه هرطقة الإسماعليين، ينقل يوحنا الدمشقي الآيات القرآنية كالآتي: 

“يا يسوع، هل قلت للناس أنك ابن الله وأنك الله؟” ويجيب يسوع قائلا: “كن رحيما بي يا إلهي، أنت تعلم أنني لم أقل هذا، وأنني لم أرفض أن أكون عبدك، ولكن رجالا مخطئين كتبوا أنني قلت هذا، وهم قد كذبوا عني، وقد وقعوا في الخطيئة.”

أضاف يوحنا: “وحسب قولهم، أجاب الله وقال له: “أنا أعلم أنك لم تقل هذا الكلام””.

ثم علق بقوله: “وهناك أشياء أخرى كثيرة سخيفة ومثيرة للضحك في هذا الكتاب، وهو يزعم بأنها نزلت عليه من السماء.”۱٥

ولفهم غاية يوحنا الدمشقي بشكل تام، لا بد من ذكر الآيات القرآنية كاملة: 

﴿ وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ ۖ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ۚ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ ۚ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ۚ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ﴾

﴿ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ۚ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ ۖ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾

﴿ إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ۖ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾۱٦

يظهر من المقارنة بين آي القرآن والآيات التي أوردها يوحنا الدمشقي قيام الأخير بتحريف آيات القرآن بشكل متعمد ربما. إذ لا يمكن إيجاد جملة “أنك ابن الله وأنك الله” في أي موضع في المصحف. وهذا ما دفع دي. جاي. جانوسيك J. D. Janosik إلى التساؤل قائلا: “هل يغير يوحنا كلام (القرآن) لخدمة مآربه الشخصية؟”۱٧

تبدو نية يوحنا وغايته واضحة؛ فالرجل يريد استهداف تشديد الإسلام على تعارض المعتقد المسيحي مع التوحيد. ويستطيع المرء استشفاف المشكلة الكبيرة في الانتقاء الجزئي للآيات المذكورة. تعتبر الآيات القرآنية الصحيحة (بعكس تحريفات يوحنا) أساسية في تثبيت المشكلة التي تسعى الآيات لتصويرها، والتنديد بصورة مباشرة بزيغ المسيحيين عن التوحيد الذي علّمه عيسى لقومه، ونقله لهم. لا يفيد لفظ “إله” معنى الخالق وحسب، إنما ينطوي على مفاهيم آخرى كالشفيع، والمعين، والولي. يشرح الإمام ابن القيم من القرن الرابع عشر هذا الأمر قائلا: “فإن الإله هو الذي تألهه القلوب محبة، وإنابة،وإجلالا، وإكراما، وتعظيما، وذلا، وخضوعا، وخوفا، ورجاء، وتوكلا.”۱٨ وبالتوازي، يقول معاصره ابن رجب الحنبلي: “والإله هو الذي يطاع ولا يعصى هيبة له وإجلالا، ومحبة وخوفا ورجاء.”۱۹

وبصرف النظر عن اقتباس يوحنا الخاطئ،٢۰ فإنه يعمد إلى وسم التوصيف بكونه “مثيرا للضحك”.٢۱ ويكمن القصد من وراء مجادلات يوحنا الدمشقي الزعم بأن محمدا  “دعي” وبأنه “نذير للمسيح الدجال”.٢۱

 

توما الأكويني (۱٢٢٥-۱٢٧٤) 

تأسست رهبنة الواعظين، أو الدومينيك التي ينتمي توما الأكويني إلى صفوفها على يد دومينيك غوزمان في سنة ۱٢۱٦ م، بغية التصدي لهرطقات القثارية. كما لاحقت الرهبنة، وقاضت الهرطقة التي بدأت بالظهور عقب الحرب الصليبية الألبيجينية في لانغويدوك (۱٢۰۹-۱٢٢۹ م). وفي عام ۱٢٥٢، أقرت البابوية قانونا يسمح بتعذيب المشتبه بهرطقتهم عند استجوابهم للمرة الأولى. كمن هدف محاكم التفتيش في حث المهرطقين على ترك هرطقتهم، أما أولئك الذين تمسّكوا بها، فكان مصيرهم الإعدام من قبل المسؤولين العلمانيين. كان اليهود والمسيحيون على السواء تحت دائرة الاستهداف. وأمر مجمع لاتران الرابع الذي انعقد سنة ۱٢۱٥ المسلمين واليهود بارتداء ملابس مختلفة لتمييزهم.٢٣ في هذا السياق، حث ريموند بينافورت توما الأكويني على كتابة كتاب عن العقيدة المسيحية يسمح للمبشرين العودة إليه لدى دعوتهم لغير المسيحيين. وأفضت استجابة توما لهذا الطلب إلى ولادة كتاب خلاصة ضد الكفار، الذي يعرف أيضا باسم كتاب حول صحة المعتقد الكاثوليكي مقابل أخطاء الكفار. ينتقد الأكويني في هذا الكتاب النبي  بجملة من المزاعم التي لا أصل لها، تتعلق بالعنف وبتعاليمه. وقد اعتبر دافيس كير Davis Kerr توصيف توما للنبي  بالـ”القصة الخيالية والافتراء”. يقول كير:   

“لا بدّ لي من التكتم على سخافات، وفظاظة مسيحيي القرون الوسطى في اغتيال شخصية محمد في مسعاهم الجدلي للرد على الإسلام، مراعاة مني لمشاعر المسلمين. ويكفي القول بأن الأدب الزاخر، الذي عكف نورمان دانيال Norman Daniel على تحليله بإسهاب في كتابهIslam and the West: the Making of an Image  (الإسلام والغرب: تكوين صورة): يشهد على الفشل الذريع للعقيدة المسيحية في التعامل بشكل خلاق مع مدعي للنبوة نزل عليه الوحي الإلهي، بعد عيسى؛ حيث فسحت المؤسسة اللاهوتية المجال بشكل شبه كامل أمام القصص الخيالية والافتراءات.”٢٤

وعندما يتعلق الأمر بخصائص انتقادات الأكويني للنبي ، يبدو صمت الأكاديميين المعاصرين تجاهها مستغربا بعض الشيء، ولعل السبب عائد إلى تركيزهم الكبير على فلسفة الأكويني المتعلقة بالله، واكتفائهم بالقيام بعدد قليل جدا من البحوث التي تطرّقت إلى إثبات تعرّض الأكويني للنبي .  

يشدد ألفرد غيوم Alfred Guillaume على الخلفية التي انطلقت منها كتابة خلاصة ضد الكفار، وهي إقناع المسلمين في إسبانيا بترك الإسلام واعتناق المسيحية.٢٥ بيد أن براين دايفيس Brain Davies يحاول التقليل من شأن وجود أي علاقة بين الكتاب والإسلام.٢٦ يشير غيوم إلى نقد الأكويني للنبي  وللقرآن.٢٧ ويمكن للقراء الاطلاع على كتاب دايفيس المتعلق بخلاصة ضد الكفار، ليجدوا عدم اتيانه على ذكر النبي على الإطلاق؛ إلا في الحاشية ٤٥ من الفصل الأول، التي دُست في آخر الكتاب؛ ويقول دايفيس فيها: 

“يأتي الأكويني في هذه الجزئية من كتابه على ذكر الإسلام، ويُقرِّع بإيجاز بمحمد حيث يدّعي ارتكاز تعاليمه على وعود الملذات الجسدية، وعلى عدم تأيدِّها بالمعجزات. كما يقول بأن محمدا كسب التأييد والدعم بقوة السلاح، وبأن تعاليمه تتناقض مع العهد القديم والعهد الجديد.”٢٨

تعود هذه الحاشية إلى جملة واردة في الكتاب، ونصّها: “إن هذه الحكمة التي تمتع بها الأكويني لم يكن ليتصف بها أحد من غير معتنقي الديانات المسيحية.”٢۹ وهكذا نرى بأن القراء، الذين لم يهتموا بالاطلاع على هوامش كتاب دافيس، لن يعلموا قط بانتقاد الأكويني للنبي .

يتفق غيوم ودايفيس على أمر واحد. يشدد غيوم على “فشل” انتقادات الأكويني للإسلام.٣۰ ويقر دايفيس بعدم اطلاع الأكويني الكافي على الفكر الإسلامي؛.٣۱ غير أن غيوم يتوقف عند هذه النقطة من خلال قيامه بتحليل مقارن بين الشهرستاني والأكويني في عرضهما لآرائهما الدينية. تبين هذه المقارنة “فشل” الأكويني في انتقاد الإسلام، و”قلة حكمته” لمحاولته إفحام العلماء المسلمين بالمجادلات الكلامية.٣٢

يوفّر ب. بوريل B. Burrell حقائق إضافية يجدر أخذها بعين الاعتبار. يعترف الأكويني في كتابه خلاصة ضد الكفار بجهله بالإسلام،٣٣ غير أن ذلك لم يثنه عن تأليف كتاب آخر حمل عنوان أسباب الإيمان ضد اعتراضات المسلمين. تتمثل الخاصية الأساسية لهذا العمل في عدم مناقشة الأكويني للموقف الإسلامي، واكتفائه بتكرار معتقدات الكنيسة. ٣٤ يفسّر مايكل فراسيتو Michael Frassetto فحوى هذا العمل موضحا بأن تأليف كتاب أسباب الإيمان جاء بعد كتابة خلاصة ضد الكفار، واشتمل على انتقاد أكثر عمقا للإسلام؛٣٥ وعرض الأكويني فيه نقطتين متعلقتين بهذه المناقشة: الأولى هي اتهام الأكويني للمسلمين بالـ”المادية المفرطة” لاعتبارهم القربان المقدس ʾمستحيلا منطقياʿ.٣٦ يصوّر المسلمون كأشخاص ينكرون المعجزات بشكل مستمر، مثل معجزة القدّاس المسيحي، في الوقت الذي يصور فيه الأكويني الاستعداد المسيحي السريع للتصديق بالمعجزات. يشدد توما على هذه النقطة وهو يتهم المسلمين بالـ”الجسمانية” لأنهم “لا يفكرون إلا بما هو لحم ودم”.٣٧ ولأن المسلمين في غاية المادية، يرفض الأكويني إثبات صحة المسيحية لهم؛ لأنهم لن يفهموا أبدا كل ما يتعلق بما وراء المادة. أما النقطة الثانية، كما يكتب فراسيتو، فهي أن الأكويني “كان عدائيا للغاية تجاه الإسلام” وقدّم “تصويرا مسيئا وسلبيا عن حياة النبي  وتعاليمه”.٣٨

ولا تكتمل الصورة لدينا إلا باستعراض كلام هينك شوت Henck Schoot الذي يفصّل فيه بأن النقطة التي يركز عليها الأكويني بصورة أساسية في انتقاده للإسلام هي الملذات المادية بعد البعث. يعتبر توما بأن تشديد القرآن على ملذات الطعام، والعلاقات الجنسية في الجنة دليل على بطلان الإسلام. إضافة إلى ذلك، يقارن الأكويني بين عيسى والنبي  قائلا بأن عيسى عاش حياته فقيرا ، بينما عاش محمد  حياة ثراء ورخاء.٣۹

وبحسب الكلام المذكور أعلاه، يمكننا الخروج بصورة أولية حول تصوير الأكويني الخاطئ للنبي : شدّد محمد  على الملذات، وأشهر السيف، وتعارضت تعاليمه مع تعاليم الكتاب المقدّس. واتسمت ديانته بالمادية، ودفعت المسلمين إلى رد جميع المعجزات. وركز الإسلام على الملذات المادية في الحياة الآخرة. وكان محمد  رجلا غنيا ينعم برغد العيش. ويضاف كل ذلك إلى الحقيقة المثبتة بعدم معرفة الأكويني عما يتحدث عنه، حيث أن درايته بالإسلام كانت محدودة للغاية، كما يعترف هو بنفسه.  

تعتبر انتقادات الأكويني تافهة؛ فالكتاب المقدّس يصف موسى في الحرب، فكيف يمكن للأكويني إنكار الإسلام كدين لوجود الجهاد فيه، ولا يرفض المسيحية للسبب نفسه، لا سيما وأنه كان الداعم العقائدي للحملات الصليبية؟ حتى أن طائفة المعجزات التي عرفت بها المسيحية لم تعد تؤخذ بجدية في يومنا هذا. ويعد عدم كون المسلمين بالسذاجة الكافية للتصديق بسرعة بأي أمر يوصف بالمعجزة نقطة إيجابية لصالحهم. ولن يدّعي أي شخص لديه أدنى اطلاع على السيرة النبوية، عيش النبي  برفاهية. غير أن الأهم من كل ذلك هو الاستراتيجيات التي لجأ إليها الأكويني في انتقاداته؛ حيث اعتمد بشكل كبير على “تشنيع” صورة النبي  ووصف الإسلام والمسلمين بأوصاف “سلبية”. لا تعد هذه الاستراتيجية مفاجئة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار الظروف والمناخ اللذين كتبت فيهما. 

أدى الوسط الاجتماعي والثقافي الذي ترعرع فيه توما الأكويني، ورأى فيه الحملات الصليبية تُشنّ ضد الهرطقات المسيحية، والنجاحات المسيحية في أراضي الخلافة الإسلامية في الأندلس، والتي تُوّجت بعدها بوقت قصير بمحاكم التفتيش الإسبانية، واجتثاث الهرطقات، إلى زيادة دفاعاته ضد المسلمين، وإلى تركيزه الموجه ضد الهرطقة. وإذا أردنا فهم كيفية صباغة هذه التأثيرات لآراء توما ومصدرها، فلا بد لنا من أن نأخذ بعين الاعتبار معرفته بسلوكيات التعاطي المسبق مع الإسلام والمسلمين، من خلال احتكاك المسيحيين بالمسلمين في الأندلس، فضلا عن الحملات الصليبية. وحركّت الظروف السياسية المرتبطة بالهجمات السلجوقية على القسطنطينية، لا سيما معركة ملاذكرد في عام ۱۰٧۱م، وما تبعها من استغاثة البيزنطيين بالبابا أوربانس الثاني في فرنسا للمساعدة، آلية حرب ترمي لأخرنة المسلمين. ولعبت البروباغندا دورا محوريا في الإعداد للحملات الصليبية. استخدمت خطبة البابا أوربانوس الثاني في عام ۱۰٥۹ م أساليب تحريضية لإثارة الغضب الأخلاقي. وتعرض النصوص الأربعة الباقية لخطبته روايات مختلفة عما تضمنته، إلا أن اتفاقها على الإعداد لخطاب معاد للإسلام لا لبس فيه. لقد أظهر أوربانوس مدينة القدس على أنها تحت تهديد عرق “شرير” منخرط في ممارسات “بغيضة”. أما خطبته في كليرمونت في سنة ۱۰٥۹ م، التي سعت لزيادة عدد الحملات الصليبية في العقود التالية، فقد أظهرت المسلمين كدنس لا ديني للمقدّسات المسيحية، وكمعذّب وحشي للمسيحيين، وكعبدة للأوثان. وبدأت أخرنة المسلمين، واستفحلت عندما تم تأطيرهم خارج نطاق المجتمع المتحضر الطبيعي، بوصفهم بالحيوانات “التي تبقر سرات الذين ترمي تعذيبهم…”٤۰ ينحدر وصف توما الأكويني الفظ للنبي ، وتركيزه الزائد على الحروب من هذا السياق الذي جاء بعد الحروب الصليبية. 

وبحسب وليام لونغ William Long

“لا يمكن إيجاد أي تأييد للانتقادات التي ساقها الأكويني، في محاولته التشنيع بمحمد، في النصوص الموضوعية التي تناولت أفعاله… ففي المقام الأول، لا يوجد أي دليل يشير إلى نشر محمد للإسلام من خلال إغواء المسلمين بالملذات الجنسية. بالإضافة إلى ذلك، وكما ذكرنا آنفا، فإن عدم اتيان محمد بالمعجزات لا يبطل ادعاءه النبوة. كما أن انتقاد الأكويني للرعيل الأول من المسلمين بوصفهم بالوحشية والجهل غير عادل بشكل جسيم. ونذكر على سبيل المثال بأن أتباع الإسلام الأوائل كانوا شبابا من عائلات مكيّة مؤثرة، وتجارا كخديجة زوجة محمد الأولى، وأبي بكر، وغيرهما ممن كانوا من أوائل من اعتنق الإسلام. وبالطبع، جذب الإسلام العبيد، وكان أشهرهم بلال، الحبشي الأسود. عارض الوثنيون في مكة محمدا والمسلمين الأوائل، ومات البعض منهم تحت التعذيب، وأُرسل بعضهم الآخر إلى الحبشة هربا من الاضطهاد. لذا، كان المسلمون الأوائل صادقين في استجابتهم لدعوة الإسلام. فهل يمكن وضع هذا الإخلاص، والوحشية والجهل في دفة واحدة؟ فضلا عن ذلك، لا يصح الإصرار على القول بأن محمدا أجبر الآخرين بالقوة على اعتناق الإسلام. فبعد ثلاثة عشر سنة من الدعوة الصابرة، وتحمّل كل أنواع الشدائد في مكة، هاجر محمد وأتباعه إلى يثرب (المدينة لاحقا).٤۱

ويشهد كثيرون على التغييرات الإيجابية البارزة التي أدخلها الإسلام إلى البلاد التي تأثرت به. وبحسب وليام مونتغمري وات William Montgomery Watt

“من بين جميع الرجال العظام في العالم، لم يتعرّض أحد منهم للتشهير كما تعرّض محمد. ولا يصعب علينا تحسّس ذلك على أرض الواقع. ظل الإسلام لقرون أعظم عدو للعالم المسيحي، حيث أن المسيحيين كانوا على احتكاك مباشر مع دولة منظمة بشكل لم يشهدوا له مثيلا من قبل. وبعد خسارة الإمبراطورية الرومانية لأراضيها في سوريا ومصر، تعرضّت للاعتداء في آسيا الصغرى، في الوقت الذي كانت فيه أوروبا الغربية عرضة للتهديد من خلال إسبانيا وصقلية. وحتى قبل أن تصب الحملات الصليبية اهتمامها على طرد السراسنة من الأراضي المقدسة، كانت البروباغندا الحربية في العصور الوسطى، المتحررة من أي قيود واقعية، تعد العدّة لبناء مفهوم “العدو الكبير”. وفي مرحلة من المراحل، حُوِّل محمد إلى مهاوند Mahound، أي أمير الظلام. وبحلول القرن الحادي عشر، كانت الفكرة الحاضرة في أذهان جيوش الحملات الصليبية حول الإسلام والمسلمين مشوهة للغاية بحيث أثرت بشكل سيء على المعنويات. لقد قِيد الصليبيون لتوقع الأسوأ من عدوهم؛ وعندما وجدوا الكثير من الفرسان الشهام في صفوفهم، خسروا ثقتهم بقياداتهم المسيحية.”٤٢

لم يكن يوحنا الدمشقي أول المسيئين إلى النبي . فالمشركون من قوم النبي  الذين فضلوا البقاء على وثنيتهم كانوا أول المقرّعين في الآية الآتية: ﴿ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (97) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ (98) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99) ﴾٤٣كانت هذه الآية التي نزلت على النبي  في زمن مبكر من الفترة المكية بمثابة سلوان في وجه تلك الإساءات. يأمر الله تعالى النبي بالصبر قائلا له ﴿ اصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ (17) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (18) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً ۖ كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ (19)﴾٤٤ يقول توماس كارليل Thomas Carlyle الذي كان من أوائل المتصدّين لافتراءات المسيحيين على النبي :

“إن فرضيتنا الحالية عن محمد بأنه دجال ماكر، وتجسيد للباطل، وبأن دينه لا يعدو كونه خطب شعوذة وسخافة لم تعد في الحقيقة تنطلي على أحد اليوم. ولم تجلب هذه الأكاذيب التي أغرقنا بها هذا الرجل بنية حسنة، إلا الخزي لنا وحدنا.”٤٥

الرد النبوي

كان في زمن النبي  امرأة بمكة تدعى أروى بنت حرب (وهي أم جميل زوجة أبي لهب). دأبت هذه المرأة على ملاحقة النبي  لإيذائه وشتمه وهجائه قائلة: “مذممًا أبينا ودينه قلينا وأمره عصينا!” وبدلا من الرد عليها، كان النبي  يجد سلوانه في القول لأصحابه: “ألا تعجبون كيف يصرف الله عنّي شتم قريش ولعنهم! يشتِمُون مُذَمَّماً، ويلعنون مُذَمَّماً، وأنا محمّد.”٤٦ كانت أم جميل تأمل من خلال عكس اسم النبي إلى ضده (مذمّم) إفقاده للاحترام من قبل أبناء قومه. لكن النبي  أظهر نبله وشهامته من خلال تجاهله لكلام المرأة، لعلمه بأن شخصه وكلامه سيتغلغل بعمق في نسيج مجتمعه، وفي العالم بأسره، وليقينه بأن اسمه ʾمحمدʿ سيعني دائما المدح والثناء.٤٧ وأُمر أتباع النبي بدورهم بالتشبث بالتوحيد، وبالاقتداء بتعاليم نبيهم الأخلاقية.

ودعونا في الختام نذكر أنفسنا بأن التصوير الخاطئ للإسلام وللنبي  يخلق لنا كمسلمين فرصا لتعريف الناس برسالة الإسلام. وكما أن الدفاع عن الإساءة للنبي  هو دفاع عن الإسلاموفوبيا التي أنشأتها، كذا الدفاع عن النبي  ورسالته هو انعكاس لإيمان الفرد، وإلهام إلى الدعوة للدفاع عن الإسلام فكريا ونشره مع الآخرين. إذ أن احتكاكنا الفكري والتعاطفي مع غير المسلمين، ومشاطرة الحياة الجميلة للنبي ﷺ، ورسالته يساهم في أغلب الأحيان في عكس الصورة النمطية عنه على المستوى الأكاديمي والشعبي. عمل مشركو مكة بلا هوادة على تشويه صورة النبي، بينما كان صحابته الأكثر توقا لنشر رسالته. ولنتذكر دائما بأن مثل هذه المواقف هي اختبار لنا جميعا، وبالتصرف على النحو الصحيح – بالعلم والحكمة – نستطيع استغلال الفرصة لنثبت صدق الإسلام، وروعة شخصية النبي .٤٨

المراجع

١ Michael Curtis, Orientalism and Islam: European Thinkers on Oriental Despotism in the Middle East and India (2009), p. 31, Cambridge University Press, New York.

 

٢ John Tolan, Saracens: Islam in the Medieval European Imagination (New York, Columbia University Press: 2002), p. 66.

 

٣ Eulogius, Memoriale sanctorum, 2:1:1, CSM 397-98, trans. Edward Colbert, The Martyrs of Cordobam 850-859: A Study of the Sources (Washington: Catholic University of America, 1962), p. 194.

 

٤ Aymenn Jawad al-Tamimi, ‘Mozarabic Writings: Álvaro of Córdoba’s Letter to Speraindeus’ – https://www.aymennjawad.org/2019/09/mozarabic-writings-alvaro-of-cordoba-letter-to

 

٥ Paulus Alverus, Indiculus luminosus, 35, CSM 314-15, trans. Richard Southern, Western Views of Islam in the Middle Ages (Cambridge, Mass.: Harvard University Press, 1962), p. 21.

 

٦ K Ihnat., The Martyrs of Córdoba: Debates around a curious case of medieval martyrdom. History Compass. 2020; 18:e12603. https://doi.org/10.1111/hic3.12603

 

٧ Thomas Wienandy: Does God Change?: the Word’s Becoming in the Incarnation(Still River, MA: St. Bede’s Press, 1985

 

٨ Daniel J. Janosik, John of Damascus: First Apologist to the Muslims (Eugene, OR, Pickwick Publications: 2016), p. 110

 

٩ Ibid, p. 58

 

١٠ Ibid, p. 108

 

١١ Ibid, p. 106.

 

١٢ Ibid, p. 108.

 

١٣ Daniel J. Janosik, John of Damascus: First Apologist to the Muslims (Eugene, OR, Pickwick Publications: 2016).

 

١٤ Ibid, p. 110.

 

١٥ Ibid, pp. 261-2.

١٦ المائدة: ١١٦-١١٨

 

١٧ John of Damascus: First Apologist to the Muslims, p. 208.

 

۱٨ الجوزية، ابن القيم، إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان، تحقيق شمس، محمد عزير، المجلد الأول، دار علم الفوائد، ١٤٣٢ هـ، ص. ٤۱.

 

۱۹ الحنبلي، ابن رجب، كلمة الإخلاص وتحقيق معناها، تحقيق: الألباني، محمد ناصر الدين، الطبعة الرابعة، المكتب الإسلامي، ۱٣۹٧ هـ، ص. ٢٣.

 

٢٠ John of Damascus, Heresy of the Ishmaelites. Critical Greek text from Liber de Haeresibus [On Heresies] in Die Schriften Des Johannes Von Damaskos, edited by Bonifatius Kotter, 4:60-67. (New York: de Gruyter, 1981), 26-27.

 

٢١ Ibid, pp. 32-33.

 

٢٢ Ibid, p. 1.

 

٢٣ M.D Meyerson, The Muslims of Valencia in the Age of Fernando and Isabel Between Coexistence and Crusade (California, University 

of California Press: 1991), p. 47.

 

٢٤ D. Kerr, ‘The Prophet Muhammad in Christian Theological Perspective’, in Islam in a World of Diverse Faiths, ed. Dan Cohn-Sherbok (London, MacMillan Press Ltd: 1997), p. 123.

 

٢٥ A. Guillaume (1950). Christian and Muslim Theology as Represented by Al-Shahrastāni and St. Thomas Aquinas. Bulletin of the School of Oriental and African Studies, 13(3), p. 551.

 

٢٦ B. Davies (2016). Thomas Aquinas’s Summa Contra Gentiles: A Guide and Commentary. Oxford University Press, p. 9.

 

٢٧.(A. Guillaume (1950). Christian and Muslim Theology as Represented by Al-Shahrastāni and St. Thomas Aquinas. Bulletin of the of School of Oriental and African Studies, 13(3), p. 551.  

 

٢٨ Thomas Aquinas’s Summa Contra Gentiles: A Guide and Commentary, p. 397.

 

٢٩ Ibid, p. 14.

 

٣٠ Christian and Muslim Theology as Represented by Al-Shahrastāni and St. Thomas Aquinas, p. 552.

 

٣١ Thomas Aquinas’s Summa Contra Gentiles: A Guide and Commentary, p. 9-10.

 

٣٢ Christian and Muslim Theology as Represented by Al-Shahrastāni and St. Thomas Aquinas, p. 579-80.

 

٣٣ D.B. Burrell (2004). Thomas Aquinas and Islam. Modern Theology, 20(1), p. 86.

 

٣٤ Ibid.

 

٣٥ M. Frassetto (2020). Christians and Muslims in the Middle Ages: From Muhammad to Dante. Lanham: Lexington Books, p. 248.

 

٣٦ Ibid, p. 248-9.

 

٣٧ Ibid, p. 249.

 

٣٨ Ibid.

 

٣٩ H.J.M. Schoot (2005). Christ Crucified Contested. Thomas Aquinas Answering Objections from Jews and Muslims. In M. Poorthuis, B. Roggema, & P. Valkenbergs (Eds.), The Three Rings. Textual Studies in the Historical Trialogue of Judaism, Christianity and Islam (pp. 141-162). Leuven: Peeters Publishers.

 

٤٠ Robert of Rheims, account of Urban II’s speech at Clermont, taken from L. and J.S.C. Riley-Smith, The Crusades: Idea and Reality, 1095-1274 (London, 1981), pp. 42-45. For the full text of Robert of Rheims’s chronicle, see Robert the Monk’s History of the First Crusade, tr, C. Sweetenham (Aldershot, 2005); see also: Osman Latiff, On Bring Human: How Islam addresses othering, dehumanisation and empathy (Sapience Institute, 2020), pp. 73-75.

 

٤١ William Thomas Long (1993) A critical analysis of Christian responses to Islamic claims about the work of the Prophet Muhammad, `the Messenger of God’., Durham theses, Durham University, pp. 117-118. Available at Durham E-Theses Online: http://etheses.dur.ac.uk/5660/

 

٤٢ William Montgomery Watt, Muhammad At Medina (Oxford, The Clarendon Press: 1956), p. 324.

 

٤٣ الحجر: ۹٧-۹٨.

 

٤٤ ص: ۱٧-۱۹.

 

٤٥ Rev. W. St. Clair Tisdall, The Original Sources Of The Qur’an (London, Society For The Promotion Of Christian Knowledge: 1905), p. 210.

 

٤٦ سنن النسائي، حديث #٣٤٣٨.

 

٤٧ Osman Latiff, On Being Human: how Islam addresses othering, dehumanisation and empathy (Sapience Institute, 2021), p. 113.

 

٤٨ Osman Latiff, The Pathology of Flamboyant Denial – https://sapienceinstitute.org/the-pathology-of-flamboyant-denial/.

Donate